التنمية الترابية المندمجة بإقليم تنغير  الإمكانيات والتحديات ورهانات الإقلاع :

2 نوفمبر 2025
التنمية الترابية المندمجة بإقليم تنغير   الإمكانيات والتحديات ورهانات الإقلاع :
عبدالواحد صديقي

 

يشهد المغرب اليوم مرحلة تحول حاسمة في مسار التنمية الترابية بعد عقود من البرامج والمخططات التي حققت بعض النتائج، لكنها لم تضمن العدالة المجالية والتوازن التنموي بين الجهات، فقد أظهرت التجارب السابقة منذ فجر الإستقلال محدودية أثر العديد من البارمج و المشاريع بسبب ضعف التنسيق بين الفاعلين من جهة واعتماد مقاربات قطاعية مجزأة من جهة ثانبة لا تستحضر خصوصيات كل منطقة على حدة، وفي هذا السياق جاءت الدعوة الملكية الأخيرة إلى ضرورة إعداد نموذج تنموي جديد يضع الإنسان والمجال في قلب السياسات العمومية ويؤكد أن التنمية المتوازنة تتحقق عندما تصل ثمارها إلى جميع المواطنين في مختلف مناطق المملكة من أجل السير بالوطن بسرعة واحدة لا سرعتين.

 

– إقليم تنغير بين الغنى والتهميش:

 

إقليم تنغير يمتلك ثروة طبيعية وبشرية وثقافية هائلة لا تخفى على أحد لكنه بالمقابل ما يزال مهمشا ولم يجد بعد من يستثمر طاقاته الكامنة ، المجتمع المحلي غني بالتقاليد والأعراف العريقة لكنه لم يستفد للأسف بعد من مقاربة تنموية مندمجة تراعي خصوصيته و تستثمرها على أحسن وجه بل ظل عرضة لتكرار النماذج المستوردة و المستنسخة التي لا تنبت في أرضه و لا تعطي الأكل، مما وجب التأكيد عليه المستقبل في تنغير لن يبنى إلا من خلال تفعيل القوة الكامنة في نسيجه الاجتماعي عبر برامج مندمجة تربط الإنسان الواحي بمجاله وتستثمر الإمكانات البيئية والثقافية والاقتصادية التي يزخر بها.

 

– البرامج التنموية وإشكالية الالتقائية:

رغم كثرة البرامج التنموية على المستوى الوطني والجهوي ؛ بدءا من التصاميم الجهوية لإعداد التراب مرورا بالبرامج التنموية الجهوية والإقليمية والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية وصولا إلى الجيل الجديد من البرامج الترابية فإن الواقع الميداني يظهر غياب الالتقائية والتكامل بين هذه البرامج، فالواقع العملي تجد الجماعات الترابية كبنية للقرب من أجل تنزيل التنمية غالبا ما تتلقى ميزانيات ضئيلة تخصص أغلبها للتسيير فقط و بعض الروتوشات البسيط ما يترك هامشا محدودا للاستثمار الفعلي والمبادرات التنموية المستدامة و الحقيقية، وهذا ما يفسر و يكرس استمرار الحلقة المفرغة للتنمية بهذه المناطق لعود من الزمن مما كرس فارق تنموي هائل للاسف الشديد.

 

* الإمكانات الاقتصادية والطبيعية والبشرية بإقليم تنغير:

إقليم تنغير يمتلك إمكانات واعدة يمكنها أن تشكل قاعدة لإقلاع تنموي حقيقي ذو أثر ؛ الواحات توفر رصيدا زراعيا هائلا يمكن الاستفادة منه مع خبرات سكان الواحة في أسلوب الري التقليدي و تحفيزهم من أجل تنويع سلاسل القيمة الزراعية مثل التمور واللوز والأعلاف و غيرها من المنتوجات الزراعبة و من جانب ثاني السياحة البيئية والثقافية تمثل فرصة حقيقة و استراتيجية بحيث توفر خريطة الطريق 2023–2026 محاور استثمارية تشمل في مناطقنا كل من مغامرة الصحراء والواحات معا كما سيمكن تأهيل مضايق تدغى و الربط بين المضيقين و تجديد المسالك الجبلية فرصة حقيقية للاقلاع التنموي بهذه المناطق مع التأكيد على أهمية إحداث مطار بإقليم تنغير لفك العزلة الجوية عنه و تحفيز السياح و الجالية للانخراط في الفعل التنموي لبلادها. و سينتعش معها دون شكل الصناعات التقليدية والحرف اليدوية الموازية للنشاط السياحي إلى جانب منتجات محلية مثل الزعفران (زعفران صاغرو) والأعشاب والنباتات العطرية (الورد العطري قلعة مكونة) و الطبية، تضيف قيمة اقتصادية وتساهم في تعزيز الهوية الثقافية. مشاريع الطاقات المتجددة مثل Noor Ouarzazate وNoor Midelt توفر إمكانات كبيرة للطاقة النظيفة والاستثمار المستدام مع شساعة المجال الشبه الحار بدائرة ألنيف.

 

– الرأسمال البشري المحلي والشباب والنساء يمكن أن يكونوا عناصر أساسية في عملية التنمية، خصوصا إذا ما توفرت برامج تأهيلية واستثمارية تراعي الإمكانات المحلية، مشاريع مثل OASIL لدعم النساء في القطاع الزراعي وبرامج تطوير المهارات الحرفية والشبابية تشكل نموذجا عمليا لكيفية تحويل الرصيد البشري إلى قوة دفع للتنمية.

 

– التحديات أمام الاستثمار والتنمية بإقليم تنغير:

إن تحقيق الإقلاع التنموي في إقليم تنغير يتطلب مواجهة عدد من التحديات و الاكراهات : أبرزها التمويل الغير المتوازن بين الأقاليم و الجهات (غياب العدالة المجالية في توزيع الامكانيات المالية للدولة) من جهة ثانية محدودية البنية التحتية و غياب الاستفادة من البرامج الاستراتيجية المهيكلة ، من جهة ثانبة محدودية الموارد المائية و كذا واقع الهشاشة المناخية و الطبيعية التب تشكل جميعها عوائق حقيقية أمام استدامة المشاريع خصوصا منها الزراعية.

 

– الرؤية المستقبلية للتنمية المندمجة:

تحقيق التنمية المندمجة في إقليم تنغير يتطلب تبني رؤية ترتكز على الدمج والتكامل بين مختلف البرامج والمبادرات، وتفعيل دور الفاعلين المحليين في التخطيط والتنفيذ، مع تبني الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة مع تبسيط مساطر الاستثمار و تيسيرها وتسريع التحول الرقمي في تدبير الشأن الترابي.

يجب أن تصبح التنمية أكثر من شعار ؛ فهي عملية متكاملة تقاس بمدى تحسين جودة حياة المواطنين من خلال اقتصاد متنوع قائم على الفلاحة الحديثة والسياحة البيئية و الاكلوجية والطاقة المتجددة و كذا القيمة المضافة للحرف التقليدية التي تسوق للمجال الترابي و تعتبر مرأته مع دعم حقيقي للشباب والنساء كمحركين رئيسيين للتغيير من خلال برامج لتقوية القدرات و كذا تيسير الولوج للتمويل من أجل تشجيعهم للاستقرار بالمنطقة .

 

– خاتمة:

الرهان الحقيقي للتنمية بإقليم تنغير يكمن في القدرة على تحويل الإمكانات إلى مشاريع ملموسة وفاعلة تجعل من الإقليم نموذجا لما يمكن أن يكون عليه المغرب في عهده الجديد: مغرب الجهات المتوازنة والمواطنة الفاعلة والتنمية المستدامة التي تشمل الجميع، وتعيد الاعتبار للإنسان والمجال معا.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.