من أجل تربية متوازنة: ضرورة إحداث مصالح للمتابعة النفسية في المديريات الإقليمية للتعليم
في زمن تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتزداد فيه الضغوط النفسية على الناشئة، أصبح من غير المقبول أن يظل البعد النفسي غائبًا عن المنظومة التعليمية. فالتلميذ ليس مجرد متلقٍّ للمعرفة، بل كيان متكامل يحتاج إلى توازن عقلي وعاطفي كي يتعلم وينجح ويبدع.
تُظهر التجارب الحديثة أن كثيرًا من التعثرات الدراسية والسلوكية ليست نتيجة ضعف في القدرات أو في طرق التدريس، بل بسبب اضطرابات نفسية غير مشخصة: قلق، اكتئاب، تنمر، فقدان الثقة بالنفس، أو مشاكل أسرية تنعكس على الأداء داخل الفصل. وهنا تبرز الحاجة الملحة إلى إدماج المتابعة النفسية كركيزة أساسية في العملية التعليمية.
إن إحداث مصالح للمتابعة النفسية والطب النفسي داخل المديريات الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة لم يعد ترفًا إداريًا، بل ضرورة تربوية وصحية. فهذه المصالح يمكنها أن تضطلع بأدوار حيوية، منها تنظيم دوريات ميدانية إلى جميع المؤسسات التعليمية (ابتدائية، إعدادية، وثانوية)، لتقديم الدعم النفسي الفردي والجماعي، ومواكبة التلاميذ الذين يعانون من اضطرابات أو ضغوط نفسية، فضلاً عن تكوين الأساتذة والإداريين في مهارات التواصل والدعم النفسي.
المدرسة لا تُخرّج فقط تلاميذ ناجحين في الامتحانات، بل مواطنين أسوياء نفسيًا، قادرين على التفكير بهدوء، واتخاذ القرار بثقة، والتفاعل الإيجابي مع المحيط. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا حين ندرك أن العقل السليم لا يُبنى بالتلقين فقط، بل بالعناية بالنفس أولاً.
إن الاستثمار في الصحة النفسية للتلاميذ هو استثمار في مستقبل الوطن، لأن جيلاً متوازنًا نفسيًا هو جيل قادر على البناء، والإبداع، والمشاركة في التنمية بوعي ومسؤولية.